ملخص رسالة الماجستير حول


"آليات الملاحقة في نطاق القانون الجنائي الدولي الإنساني"



"دراسة مقارنة"



تاريخ المناقشة 6 ديسمبر 2005



الباحث


محمد لطفي عبد الفتاح




موضوع هذه الرسالة حول " آليات الملاحقة في نطاق القانون الجنائي الدولي الإنساني".وهنا لنا أن نتساءل عن علة اختيار موضوع كهذا للبحث والدراسة ؟؟


لا شك أن تدويل قواعد القانون الجنائي بفعل البُعد الإنساني الذي تركته الحروب والصراعات المسلحة أصبح ضرورة تتصاعد وتيرتها يوماً بعد يوم.وهذا ما كشفت عنه لا شك حربين عالميتين مرت بهما الإنسانية، وصراعات لاحقة عليهما أخصها الصراعات في منطقة البلقان ورواندا والسودان، وعذابات طويلة بالشعب الفلسطيني.كل ذلك يدعو إلى البحث عن آلية فاعلة لتقرير ملاحقة المسئولين عن الجرائم التي خلفّتها تلك النزاعات.

ولقد تنوعت تلك الآليات بين قضاء جنائي دولي مؤقت ، وبين قضاء جنائي دولي دائم ، وقضاء جنائي وطني . وبعبورنا على هذا القضاء الأخيرسوف تكشف لنا الدراسة عن موقف قاصر للمشرع المصري إستوجب منا أن نبين الخطوات التي ُيرجى معالجتها تشريعياً حتى يتسنى للمشرع أن يتواكب مع البُعد الدولي الذي خلّفته الجرائم أبان النزاعات المسلحة كي يساير تشريعات مثيلة عربية وأجنبية سبقته في هذا الصدد.
هذه الدراسة تبرز العديد من النقاط الهامة حيث تتجاذب هذا الفرع طائفتين من الأفكار الأولى تتعلق بموقف التشريعات الوطنية من إعمال قواعد القانون الدولي الإنساني. أما الطائفة الثانية فتتمثل في الجهود الدولية لإنشاء آلية دولية للمعاقبة على جرائم القانون الدولي الإنساني. ويعرض القسم الثاني للآليات الملاحقة الوطنية والدولية لجرائم القانون الدولي الإنساني ، حيث يظهر في هذا الجزء منهج التجريم الذي اتبعه المشرع المصري وكذا التعديلات الواجبة وموضع النصوص المقترحة والطريقة التي يتم بها التعديل من خلال المقارنة بموقف التشريعات الأخرى الأوربي منها أو العربي.

ثم نوضح بعد ذلك آليات الملاحقة على المستوى الدولي ، بدءً من محاكمات نورمبرج وطوكيو ، ومحاكمات يوغسلافيا السابقة ورواندا ، حتى الوصول للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة. وبيان مضمون الرابطة بينها وبين القضاء الوطني ، وهو ما يعرف بمبدأ تكاملية المحكمة الجنائية الدولية. ثم نعرض بعد ذلك لحدود المسئولية الجنائية أمام هذه المحكمة ، مستعرضين موضوع الحماية الجنائية لجرائم القانون الدولي الإنساني ، سواء الفئات المشمولة بالحماية العامة أو الخاصة ، مروراً بأنماط السلوك الإجرامي للجرائم الثلاث المتعارف عليها دولياً : جرائم الحرب ،والجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة الجنس. كل ذلك من خلال التطبيقات القضائية لتلك الجرائم في القضاء الجنائي الدولي.

إلا أنه لابد من التعريف بهذا الفرع الجديد من القانون ، وتطوره التاريخي ، والتمييز بينه وبين الفرع التي تختلط به ، ثم بيان موقف الشريعة الإسلامية في هذا الصدد.

ولقد اعتمدنا لمعالجة إشكاليات هذا الموضوع تقسيماً ثنائياً أسبقناه بفصل تمهيدي. فعالجنا في هذا الأخير بعض العموميات حول فرع القانون الجنائي الدولي الإنساني ، الذي هو فرع من فروع القانون الجنائي خرج من رحم القانون الدولي كي يعاقب على الانتهاكات الواقعة أبان النزاعات المسلحة.

وقد تطلبالأمر أن نعرض في القسم الأول من العمل لموضوع الحماية الجنائية في هذا الفرع القانوني، سواءً من حيث بيان الفئات المشمولة بحماية القانون الجنائي الدولي الإنساني،أو التجريمات التي تندرج ضمن هذا الفرع ، وبينا فيه الفئات المشمولة بالحماية العامة ، والفئات المنشولة بالحماية الخاصة.ثم أعقبنا كل ذلك بقسم ثان لتبيان آليات الملاحقة الوطنية والدولية لجرائم القانون الدولي الإنساني ،الأمر الذي دفعنا أن نعتمد أسلوب الدراسة المقارنة بين التشريعات الوطنية المختلفة العربي منها أو الأوروبي.

وقد خُلصنا من كل ذلك بجملة من التوصيات من بينها :-
أولاً: ضرورة قيام المشرع المصري بمراجعة تشريعية للنص على مبدأ الاختصاص العالمي ، بحيثُ يتسنى للقاضي المصري النظر في الانتهاكات الماسة بأحكام القانون الدولي الإنساني، بغض النظر عن مكان ارتكابها ، أو جنسية المساهمين فيها، أو جنسية المجني عليهم.

ثانياً: أياً ما كان الأسلوب الذي سيتبعه المشرع المصري للنص على الاختصاص العالمي في القانون الوضعي، فانه يتعين الأخذ في الاعتبار بعض النقاط منها: أن يقتصر الاختصاص على الحالات التي لا يكون فيها المتهم قد حوكم بالفعل خارج مصر، وكذا أن يؤخذ في الاعتبار العقوبات التي تم فرِضها بالفعل في الخارج إعمالاً لمبدأ عدم أخذ الشخص مرتين بجريرة واحدة. وُيفضل في جميع الأحوال أن يقتصر الاختصاص العالمي للقاضي المصري على الحالات التي يكون فيها المتهم بارتكاب جريمة ذات طبيعة دولية موجوداً على الإقليم المصري ، أو ما يسمى بالاختصاص العالمي الإقليمي.

ثالثاً: نوصى المشرع المصري عند إجراء معالجته للاختصاص الجنائي العالمي، أن يعالج المشكلات المتعلقة بجمع الأدلة، وحق المتهم أو المدعى المدني في اختبار هذه الأدلة وتقييمها.

رابعاً: ضرورة تسوية إشكالية تسليم المجرمين في الجرائم الدولية أمام القضاء الوطني ، وكذا أمام القضاء الجنائي الدولي عبر تشريع وطني مناسب، بحيث لا يُتخذ من الدوافع أو الأهداف السياسية للجريمة مبرراً لرفض تسليم المجرمين حال وقوع انتهاكات جسيمة لأحكام القانون الدولي الإنساني.

خامساً: يجب أن يكفُل المشرع الوطني المصري عدداً من الضمانات حال قيامه بالمحاكمة عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني، وعلى الأخص تلك الضمانات القضائية الأساسية التي جاء النصُ عليها في اتفاقيات جنيف والبروتوكولين الإضافيين لها، ومنها على الأخص حق المواطن في أن ُيحاكم أمام محكمة مستقلة ومحايدة، وتمكين المتهم من حقوق ووسائل الدفاع، ومنها بالضرورة حقه في الاستعانة بمحام مؤهل يختاره بكل حرية وبمترجم مجان إذا تطلب الأمر ذلك، ويتعين احترام مبدأ المسئولية الجنائية الفردية، ومبدأ لا جريمة إلا بموجب قانون، وكذا افتراض البراءة والحق في محاكمة حضورية وعلنية، والحق في الطعن القضائي.

سادساً: يجب أن يأتي التحديث التشريعي مستوعباً لكل ما جاء باتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكوليها، وكذا الجرائم الثلاث الكبرى التي نص عليها النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة في مواده 6، 7، 8.

سابعاً: نرى انه لا يمكن للمشرع المصري عند قيامه بعملية المراجعة التشريعية أن يكتفي بإدراج مادة أو مجموعة مواد تحيل إلى قواعد وانتهاكات القانون الدولي الإنساني، ذلك أن هذا الأسلوب على بساطته قد يُدخل إلى التشريع الوطني نصوصاً دولية فضفاضة تصطدم بمبدأ الشرعية الجنائية، خاصة وان هذا الأسلوب قد ُيلقى على القاضي الجنائي الوطني عبء القيام بتفسير النصوص الدولية، وهو َجهدُ لا شك كبير يصُعب على القاضي المصري القيام به في ظل الظروف التي تواجه دولاب العمل القضائي الحالي.

وهكذا نوصى بان تتم عملية الاستيعاب التشريعي عن طريق إدراج الأحكام الجنائية المتصلة بالقانون الدولي الإنساني ضمن التشريع العقابي القائم سواءَ أكان قانون العقوبات العام أو قانون العقوبات العسكري. ويمكن أن يكون ذلك عن طريق تجميع النصوص ذات الصلة في باب كامل في مدونة العقوبات، وهى ُسنة إستنها المشرع الفرنسي في مدونة قانون العقوبات الجديد لعام 1992، والذي دخل حيز النفاذ في عام 1994، بُغية أن نحافظ على تماسك الهيكل التشريعي العقابي ولا نزيد من تضخمه أكثر من اللازم.

ثامناً: ولدينا أن على المشرع المصري ألا يكتفي بمراجعة الأحكام الموضوعية الخاصة للجرائم والعقوبات والمسئولية عنها، بل يجب أن تمتد المراجعة لبعض الجوانب الإجرائية التي تتضمنها مدونة الإجراءات الجنائية، خاصة فيما يتعلق بالأحكام المتصلة بأثر العفو سواءً من دولة الجاني أو دولة المجني عليه، وما يتصل بأثر التقادم، والجهات التي سيوكل إليها التحقيق في الجرائم ذات الطبيـعة الـدولية: أهي النيابة العامة أم قضاة متخصصون ينتدبون لذلك ، والجهات المنوط بها المحاكمة عن تلك الجرائم أهي محاكم طبيعية أم خاصة أم محاكم مدنية أم يناط بالأمر لمحاكم عسكرية.

تاسعاً: يجب العمل على تكاتف الدول العربية، نحو ضرورة الإسراع بالتصديق على أحكام النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والعمل على إعداد لجان ُتجرى تنسيقاً للتشريعات الجنائية العربية، بحيث تتمكن الدول العربية من استجلاب أساس قانوني لها يمكّنُها من محاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين الذين إرتكبوا جرائم بقيت إلى الآن دون مساءلة، سواءً في مصر، أو في لبنان، أو في فلسطين، أو في أقطار عربية أخرى.

عاشراً : نوصى بالعمل على تكثيف الجهود نحو تعديل النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بإنشاء قوة تحرى وضبط تابعة للمحكمة الجنائية الدولية يختارون من الدول المنضمين للنظام الأساسي تسبغ عليهم صفة الموظف العام الدولي ويتمتعون بحصانات تحددها المحكمة تتيح لهم تنفيذ القرارات والأوامر والأحكام الصادرة عنها ، ويُفضل أن توزع هذه القوة على أقاليم الدول الأعضاء ويُخصص لها مقر مناسب في كل دولة وُتذود بالوسائل الفنية اللازمة لأداء وظيفتها.ويجب تنظيم عمل تلك القوة في ضوء مبدأ التعاون مع أجهزة الدول المعنية وليس على أساس مبدأ الخضوع أو التبعية الإشرافية أو الإدارية أو القضائية.

ونرى أن تُضاف مادة إلى الباب التاسع من نظام المحكمة الجنائية الدولية الخاص بالتعاون الدولي والمساعدة القضائية يتضمن ما جاء بمضمون هذا البند وذلك على ضوء الفقرة الأولى من المادة 121 من النظام الأساسي التي تسمح بإجراء تعديلات على هذا النظام بعد انقضاء سبع سنوات بعد نفاذه ، وربما الأخذ بتلك التوصية يمكن أن يسد الفجوة القائمة في الباب التاسع في نظام المحكمة الجنائية الدولية والمتمثلة في عدم وجود آلية فاعلة في تسليم المجرمين تمهيداً لنهوض المحكمة بمسئوليتها.


وأخيراً: يتعين العمل على نشر الوعي بأحكام القانون الدولي الإنساني بين طوائف المجتمع المدني ، وقيادات وضباط وجنود القوات المسلحة. وإعمالاً لذلك ُنوصى بان تتخذ الجامعات المبادأة في نشر الثقافة القانونية المتصلة بالجرائم دولية النشاط.

وفى الختام لا يسَعني إلا أن ُأذكر بأن الإنسانية في مفترق طرق.فإما أن تنتصر معاني الحق والعدل،وإما أن تنزوي هذه المعانى ردحاً من الزمن قد يطول أو يقصُر لتحل نزعات الشر والحقد محلها.

*************